قدم الإسلام مجموعة من القيم والمبادئ لكل مسلم، لتكون له حصنا قويا يمنع اتباعه من الإقدام على الانتحار، فهل يعد الانتحار كفرا وخروجا عن دين الله؟ وما الأسباب النفسية والاجتماعية التي تدفع البعض إلى الانتحار؟ وكيف نحمي أبناءنا من الوقوع في اليأس والقنوط؟

يوضح د.خالد المذكور أن الانتحار حرام شرعا وأن المنتحر في الإسلام حكمه آثم وليس بكافر ولا يخرج عن ملة الإسلام، بل ان الانتحار من كبائر الذنوب، وعقاب المنتحر في الآخرة كبير، قال الله عزّ وجلّ: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن قتل نفسه بشيء عُذب به يوم القيامة» فالواجب على المسلم أن يصبر ويتحمل وأن يحافظ على روحه التي بثها الله في جسده.

ولفت د.المذكور إلى أن هناك من ينتحر لمرضه بألا يتناول الدواء، وهناك من ينتحر لفقره وهناك أشكال مختلفة للانتحار وله أسباب عديدة ومنها ما يرجع إلى أمراض نفسية أو عقلية أو الفشل في نواحي الحياة، مؤكدا أن الإنسان المؤمن لا يقدم على الانتحار مهما أصابه من بلاء الدنيا، بل يصبر ويحتسب مقتديا في ذلك بالأنبياء والصالحين ليتأكد أن الحياة الدنيا هي دار امتحان وابتلاء، قال تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا).

صور متعددة

من جهته، قال د.بسام الشطي: يظن البعض أن الانتحار نهاية لما يعاني منه ولكنه في الحقيقة انتقال من ألم محدود إلى عذاب أعظم وأبقى، وقد جاءت النصوص الشرعية قاطعة في تحريم هذا الفعل وبيان خطورته. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا» وقال: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا»، وفي قصة الرجل الذي جُرح ولم يصبر فقتل نفسه قال الله تعالى: «بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة».

إنها نصوص تهز القلب لتقول بوضوح: إن الحياة ليست ملكا للإنسان لينهيها متى شاء بل هي أمانة والابتلاء فيها اختبار والصبر عليها طريق النجاة.

وبين د.الشطي أن هناك صورا خفية من اهلاك النفس كالإهمال والاستهتار، ومن ذلك تعريض النفس للخطر بلا احتياط، كالنوم في اماكن غير آمنة، والقيادة المتهورة بسرعات قاتلة، وتعاطي المحرمات والمخدرات والمسكرات، واقتحام الأخطار كالبحر الهائج او الاماكن الخطرة دون ضرورة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «مَنْ باتَ على ظَهْرِ بَيْتٍ ليس عليهِ حِجَابٌ فقد بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ»، أي من فرط في حفظ نفسه فقطع اسباب الحماية.

وأكد الشطي ان العلاج في مرحلة التفكير بالانتحار يجب ان يكون شاملا: علاج ايماني: بإحياء الرجاء في الله والتذكير بسعة رحمته وانه غفار الذنوب، كافي الهموم، وعلاج نفسي: بمراجعة المختصين، فالاكتئاب مرض يحتاج علاجا لا تجاهلا، وعلاج اجتماعي: بإحاطة الانسان ببيئة داعمة لا قاسية، وعلاج عملي: بوضع خطوات صغيرة للخروج من الازمة بدل الاستسلام لها، وعلى الانسان ان يعزز الصلة بالله بالصلاة والدعاء والذكر والاستغفار، فهي غذاء الروح وسند القلب، وان يفهم الفهم الصحيح للابتلاء بأن الشدائد ليست نهاية الطريق بل قد تكون بداية الفرج، وعليه طلب المساعدة من اهل العلم او المختصين النفسيين او الاصدقاء الصادقين، وكسر العزلة، فالكلمة الطيبة قد تنقذ روحا من السقوط.

ونادى الشطي من ينظر الى الانتحار على أنه الحل للخروج من ازماته قائلا: لا تيأس من رحمة الله، فإن الفرج قد يكون اقرب اليك مما تظن ولكنك لم تره بعد، الذين آذوك سيحاسبهم الله، والديون ستقضى، والهموم ستزول، لكن ان فقدت حياتك فقد ضيعت كل فرصة للاصلاح والنجاة، ارفع رأسك الى السماء لا تسقطه الى الارض، واطرق باب الله لا باب الهلاك، فكم من قلب ظن انه انتهى فإذا به يبدأ من جديد.

خواء روحي

اما عن الاسباب النفسية التي تدفع الشخص الى الانتحار، فيقول استاذ علم النفس د.صالح الشويت: الاسباب كثيرة، لكن هناك اسبابا نفسية مهمة، وأسبابا معرفية: وهي التفكير السلبي والحوار الذاتي السلبي والحديث الهادم للذات، الذي يسبب تقدير ذات منخفض، والأسباب نفسية: الاكتئاب والوساوس ـ والضيق والحزن ـ والضنك، وضغوط نفسية: بأسبابها المتعددة منها ظروف الحياة الصعبة، والصدمات المفاجئة، وهي تعود بالاول على الاسباب المعرفية وهو التفسير السلبي والتفكير السلبي التي تسبب احباطا ويأسا من الحياة فيقدم الشخص على الانتحار، وهذا يعود على التنشئة الاسرية والاسلوب في المعالجة بأفضل الحلول.

واضاف ان للأهل دورا في تكوين نفسية الشخص منذ تربيته في الصغر، فمقارنة الآباء ابناءهم بالغير يضغط عليهم، لأننا جميعا لدينا قدرات مختلفة وطاقات متغيرة تختلف عن بعضنا البعض، الى جانب اعتماد بعض الآباء على القسوة في معاملة ابنائهم.

وكذلك من ابرز اسباب الانتحار الشعور بالعجز في المواجهة والتعرض لضغوط بشكل اكبر من طاقة تحمل الانسان، واكد ان نشر ثقافة العلاج النفسي والاعتراف بالحاجة له ليس وصمة عار، فلابد من نشر ثقافة الوعي بالعلاج النفسي واللجوء الى الله تعالى والاستعانة به في كل الاوقات.

عقوبة للمحرض على الانتحار

اما عن الرأي القانوني لحالات الانتحار، فيقول المحامي منصور السويلم: حق الحياة من الحقوق الاساسية التي صانتها الشرائع السماوية، واتت القوانين لتقنن العقوبات على كل فعل نية اعتداء على حق الحياة، الا ان هناك قصورا تشريعيا في قانون الجزاء الكويتي لا يحمي حق الحياة، فالمادة 158 تعاقب الشخص الذي حرض او ساعد واتفق مع المنتحر على الانتحار بالسجن ثلاث سنوات، ومن يحاول الانتحار ولم ينفذ مراده بسبب عزوفه عن الفعل بإرادته او بغير ارادته كأن يقفز من الجسر ولكن يسعفه المنقذون، لا يعاقب بل يترك بحسبان انه لا يوجد نص يعاقب على الشروع في الانتحار، وهذا قصور تشريعي يتعين تلافيه باضافة مادة في قانون الجزاء تعاقب الشروع في الانتحار بالإيداع في المصحات النفسية لعلاجه، فالحياة وديعة الله يتعين ان نحافظ عليها حتى يقبضها مودعها.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *