
هي ليلة خير من ألف شهر، ليلة اختصها الله سبحانه وتعالى وشرفها بتنزيل الذكر الحكيم، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم، إنها ليلة القدر المباركة. يحدثنا د.السيد محمد الطبطبائي عن هذه الليلة وحكمتها وما يجب على المسلمين القيام به لما لها من فضل عظيم.
يقول د.السيد محمد الطبطبائي: ليلة هي خير من ألف شهر، ولقد منّ الله على المسلمين بأن جعل في رمضان ليلة عظيمة، وهي الليلة المباركة التي قال الله عنها: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم)، وهي من شهر رمضان، كما قال تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن).
قال ابن عباس: «أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم». وليلة القدر أفضل الليالي، وهي أفضل من ليلة الجمعة، للآية، وذكر الخطابي إجماعا.
وعن سبب تسميتها بالقدر، قال د.الطبطبائي قيل: إن المراد به التعظيم، كقوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره)، والمعنى: أنها ذات قدر لنزول القرآن فيها، أو لما يقع فيها من تنزل الملائكة.
وقيل: القدر هنا بمعنى القدر بفتح الدال الذي هو مؤاخي القضاء، والمعنى: أنه يقدّر فيها أحكام تلك السنة، لقوله تعالى: (فيها يفرق كل أمر حكيم).
وبه صدر ابن حجر كلامه فقال: قال العلماء: سميت ليلة القدر، لما تكتب فيها الملائكة من الأقدار، لقوله تعالى: (فيها يفرق كل أمر حكيم).
فسميت ليلة القدر لعظم قدرها، وفضلها عند الله، ولأنه يقدر فيها ما يكون في العام من الأجل.
وقيل: تقدر فيها الأرزاق، والمقادير القدرية.
وقيل: القدر بمعنى الضيق، لضيق الأرض عن الملائكة التي تنزل فيها، فروى أحمد عن أبي هريرة مرفوعا: «أن الملائكة تلك الليلة أكثر من عدد الحصى».
فضل ليلة القدر
وعن فضلها، قال: لقد ورد في فضل ليلة القدر العديد من الأحاديث، منها عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه».
وهي خير من ألف شهر، فقد منّ الله تعالى على هذه الأمة الضعيفة، بليلة يكون العمل فيها يزيد على العمل في ألف شهر، فيكون العمل فيها أفضل ممن عمر عمرا طويلا، نيفا وثمانين سنة، وعن مجاهد: «ليلة القدر خير من ألف شهر، ليس في تلك الشهور ليلة القدر».
وقيل: وجه ذكر الألف الشهر، أن العابد كان فيما مضى لا يسمى عابدا حتى يعبد الله ألف شهر، وذلك ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، فجعل الله سبحانه لأمة محمد عبادة ليلة خيرا من عبادة ألف شهر كانوا يعبدونها.
وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أعمار أمته قصيرة، فخاف ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر، وجعلها خيرا من ألف شهر لسائر الأمم.
(تنزل الملائكة والروح فيها)، أي: يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة، لكثرة بركتها، والملائكة ينزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما ينزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم، تعظيما له، وأما الروح فقيل: «المراد هنا جبريل».
(سلام هي حتى مطلع الفجر)، أي: سالمة من كل آفة وشر، وذلك لكثرة خيرها، فلا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا.
وقال الشعبي: هو تسليم الملائكة على أهل المساجد، من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر، يمرون على كل مؤمن، ويقولون: «السلام عليك أيها المؤمن».
كما أن الدعاء فيها مستجاب، وفيها أجور الأعمال الصالحة فيها مضاعفة.
وعن موعدها، قال الطبطبائي: «هي من غروب الشمس إلى طلوعها في ليلة من الليالي الأخيرة، من شهر رمضان المبارك»، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضان ويقول: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان».
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان».
قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر، ليحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عينت لها ليلة، لاقتصرت عليها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان»، هكذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هي في العشر الأواخر من رمضان، وتكون في الوتر منها، وينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأواخر جميعا».
حكمتها
وعن حكمتها، «عن مالك أنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته، ألا يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيرا من ألف شهر».
قال ابن عبد البر: «لا أعلم هذا الحديث يروى مسندا من وجه من الوجوه، ولا أعرفه في غير الموطأ مرسلا ولا مسندا، وهذا أحد الأحاديث التي انفرد بها مالك، ولكنها رغائب وفضائل، وليست أحكاما».
ويرى د.الطبطبائي أن حكمتها هي: «رفع درجات المسلمين في الآخرة، وحث المسلمين على الاجتهاد في الطاعة، وبيان أهمية القرآن في الإسلام، وأيضا بيان أهمية الوقت في الإسلام».
ما يقال فيها من الدعاء
روى الإمام أحمد وابن ماجه عن عبدالله بن بريده أن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر، فما أدعو؟ قال: قولي: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». وزاد الترمذي: «اللهم إنك عفو كريم».
علاماتها
وقد ورد لليلة القدر علامات، أكثرها لا تظهر إلا بعد أن تمضي هذه الليلة المباركة، ومنها:
أن ضوء الشمس في اليوم الذي يليها إنما يكون بلا شعاع، إلى أن ترتفع، ففي صحيح مسلم عن أبي بن كعب أنه قال: «والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان، يحلف، ما يستثني، والله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله بقيامها، هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس يومها بيضاء لا شعاع لها»، وفي رواية لأحمد من حديثه: «مثل الطست حتى ترتفع».

اترك تعليقاً