
اليوم ذكرى غزوة بدر، وقد اقترن شهر رمضان في جميع العصور بأبهر آيات المجد والانتصار، فرمضان شهر القوة والعزة والبطولة والفداء، وكانت غزوة بدر الكبرى حدثا اراده الله عز وجل، فمهد له ودبر له بتدبير محكم، وكانت معركة فرقت بين الحق والباطل. عن غزوة بدر وما احتوت عليه من دروس وعبر في الصبر وقوة الايمان والفزعة، نتعرف على اهم الدروس منها:
في البداية، يقول د.أحمد الكوس: في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، وقعت غزوة بدر الكبرى، وهي اول معركة فاصلة في تاريخ الاسلام بين التوحيد والشرك، وبين النور والظلام، اظهر الله فيها نصره لعباده المؤمنين، خرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا لاعتراض قافلة لقريش دون نية قتال، فلما نجت القافلة خرجت قريش بجيش يقارب الألف بطرا ورئاء الناس، ومع تغير الموقف استشار النبي صلى الله عليه وسلم اصحابه، فكان موقفهم مثالا في الطاعة والثبات، وفي بدر تضرع النبي صلى الله عليه وسلم الى ربه فاستجاب له وأمد المؤمنين بالملائكة، فانهزمت قريش وقتل واسر من صناديدها عدد كبير، ليبقى يوم بدر يوم الفرقان الذي اظهر الله فيه الحق واذل الباطل (ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة).
فوائد إيمانية
ومن الدروس والفوائد الايمانية والعقدية من غزوة بدر، قال د.الكوس: تحقيق التوحيد والاعتماد على الله، فغزوة بدر ترسخ في القلوب ان النصر بيد الله وحده، فلا يعتمد المؤمن على قوته ولا عدده، وانما على صدق توكله على ربه، مع القيام بالأسباب المشروعة، قال تعالى (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ـ الأنفال: 9)، فالقلوب تعلقت بالله، فأنزل نصره وتأييده، ليبقى التوحيد اصل النصر والتمكين.
النصر الحقيقي
وتابع: فالايمان سبب النصر الحقيقي، تظهر بدر أن قوة الأمة ليست في كثرة العدد ولا في وفرة السلاح، بل في قوة الايمان واليقين بالله (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ـ البقرة: 249)، فمتى صلح الايمان جاءت المعونة الإلهية، وانقلب الضعف قوة، والقلة غلبة، بإذن الله تعالى.
واضاف: ومن الدروس ايضا اهمية الدعاء والافتقار الى الله، كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في بدر صورة عملية للافتقار الكامل الى الله، حيث جمع بين الاخذ بالأسباب والتضرع الصادق، كان النبي صلى الله عليه وسلم في العريش يدعو ربه بإلحاح «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» (رواه مسلم)، وفي ذلك تعليم للأمة ان الدعاء ليس امرا ثانويا، بل هو من اعظم اسباب النصر ودفع الشدائد.
وقال د.الكوس: ومن الدروس أيضا الايمان بالملائكة ونصرة الله لعباده، ففي غزوة بدر تأكيد لعقيدة الإيمان بالغيب، وان الله ينصر عباده بوسائل قد لا يدركها البشر، كالملائكة والتأييد الرباني، قال تعالى (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ـ الأنفال)، وهذا يبعث الطمأنينة في قلوب المؤمنين ويقوي يقينهم بوعد الله ونصره.
وأكد د.الكوس ان الثبات عند اللقاء من اعظم علامات الايمان، فالثبات في مواطن الشدة دليل صدق الايمان وقوة التوكل، اما التراجع والجزع فسبب للهزيمة، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ـ الأنفال: 45)، لذلك أمر الله المؤمنين بالثبات لأنه مفتاح النصر، وبه تحسم المعارك قبل أن تحسم بالسلاح، وان التقوى سبب الفرقان بين الحق والباطل، فالتقوى تمنح المؤمن بصيرة يميز بها بين الحق والباطل، والهدى والضلال، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ـ الأنفال: 29)، وقد سمي يوم بدر بيوم الفرقان لأن الله أظهر فيه الحق وأذل الباطل، فكانت التقوى سببا للنصر والتمكين والتمييز الإلهي.
دروس وعبر
من جهته، يبين د.فيصل العتيبي اهم الدروس والعبر من غزوة بدر، فيقول: من المعارك الحاسمة في تاريخ الاسلام غزوة بدر التي وقعت في السابع عشر من شهر رمضان للعام الثاني من الهجرة، حيث كانت المعركة الاولى بين جيش المسلمين بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم وجيش الكفار بقيادة عمرو بن هشام (ابي جهل) في موقعة بدر، حيث انتصر فيها المسلمون ومني الكفار بهزيمة ساحقة.
وزاد: هذه الغزوة فيها من الدروس والعبر الشيء الكثير، لكننا نستخلص منها هذه الدروس:
1 ـ ان النصر من عند الله تعالى لا بكثرة عدد ولا عدة، فغزوة بدر اثبتت ان القلة المؤمنة الصادقة يمكن بعد توفيق الله ان تنتصر على الكثرة اذا صدقت مع الله، قال تعالى منبها على هذا الأمر (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة)، فالاعتماد على الله والتوكل عليه هو اساس الفتح.
2 ـ أهمية طاعة القيادة ووحدة الصف، فالتزام الصحابة بأوامر النبي صلى الله عليه وسلم في الميدان سواء بالتحرك او الثبات كان سببا مباشرا بعد اعانة الله تعالى في احكام الخطط وتحقيق النصر.
3 ـ اهمية الاعداد والاخذ بالأسباب، فمع ان النصر من عند الله جل وعلا الا ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك الاسباب، بل اختار موقع المعركة بعناية، ونظم الصفوف، واستشار القادة، وهذا يعلمنا ان التوكل لا يعني ترك التخطيط والتدبير.
4 ـ بيان ان الحق ينتصر ولو بعد حين، فمعركة بدر كانت اول مواجهة واضحة بين الحق والباطل، وانتهت بسقوط رموز الشرك واعلان بداية مرحلة التمكين للاسلام واهله.
5 ـ المكانة العظيمة لأهل الايمان والتقوى، فالمشاركون في معركة بدر حازوا فضلا خاصا، حتى قال صلى الله عليه وسلم «لعل الله اطلع على اهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (رواه البخاري)، وهذا يدل على ان الاخلاص والتضحية في المواقف الصعبة ترفع مكانة المؤمن عند الله تعالى.

اترك تعليقاً