5d44672fd437509a7b8b45f4

خفّض البنك المركزي الأمريكي سعر الفائدة على القروض منذ أيام، كما أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب عن رفعه قيمة الرسوم الجمركية على الواردات الصينية (300 مليار$) بدءا من 1 سبتمبر. ليست تلك سوى خطوة كبيرة نحو انهيار الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي، لكن انهيار النظام العالمي سوف يطال الجميع بلا استثناء.

أنوّه بداية إلى أن “الغرب المتعولم”، بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في آسيا، يعيش أحلك أزمات البشرية على الإطلاق، فيما يخص فائض الإنتاج. تتسم طبيعة النظام الرأسمالي بأزمات دورية لفائض الإنتاج، لكن أزمة السبعينيات من القرن الماضي، وحينما كانت المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي على أشدها، كانت الأزمة الاقتصادية في الغرب تهدّده بالهزيمة في “الحرب الباردة”.

لهذا لجأت الولايات المتحدة الأمريكية عام 1971 إلى إلغاء “الغطاء الذهبي” (ربط الدولار بمخزون الذهب)، وهو ما سمح بطبع دولارات غير مغطاة بالذهب، وخفض سعر الفائدة على القروض، لاستخدامها في تحفيز الاستهلاك، وتجاوز أزمة فائض الإنتاج.

وبعد 40 عاما من توسيع قاعدة الائتمان في الغرب، لم يعد هناك من بوسعه الحصول على قروض جديدة، دون خفض الاستهلاك، في الوقت الذي بلغت فيه عيوب الاقتصاد الغربي وحجم فائض الإنتاج مستويات مرعبة، وهو ما تسبب في الأزمة الاقتصادية عام 2008.

وفي محاولة للتصدي للأزمة، لجأت البنوك المركزية في كبرى الدول الغربية إلى ضخ مزيد من القروض في الاقتصاد، وخفضت من سعر الفائدة عليها، وهو ما أتاح مزيدا من القروض للدول النامية، وجعلها تستدين وترفع عجزها الائتماني، وتستمر في رفع الطلب، وبالتالي دعم الإنتاج العالمي. اليوم نفذ هذا المخزون، ويكفينا مشاهدة ما يحدث في دولة مثل مصر، التي تختنق من عبء الديون، لكنها، وعلى الرغم من استمرارها في رفع مستوى مديونيتها، مرغمة على تخفيض الاستهلاك. بالتوازي فإن نمو الاقتصاد الصيني والأمريكي يتباطأ، والناتج المحلي الإجمالي لألمانيا يتراجع، وها هو الركود يزحف ليسيطر على العالم بأسره.

ينخفض سعر الفائدة على القروض في كل من الاتحاد الأوروبي، سويسرا، اليابان، السويد، الدنمارك إلى الصفر، وتتسع تلك القائمة يوميا لتضم دولا جديدة. ويعني هذا أولا، أن بإمكان الدول أن تستدين بالمجان، لتسدد التزاماتها المحلية، طالما لم ينهار ذلك الهرم الائتماني. ويعني ذلك ثانيا، أن الشركات الخاسرة، والتي كانت في أي ظروف طبيعية أخرى ستفلس قطعا، ستظل تطفو بسبب إمكانية حصولها على قروض منخفضة الفائدة للغاية، وهو ما يسمح لها بالاستمرار في الإنتاج، حتى مع الخسارة، مؤجلة بذلك شبح الإفلاس (شركة “تسلا” Tesla مثالا)، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن ثلث الشركات الغربية على حافة الإفلاس، وهو أمر لا يمكن أن يستمر للأبد. ويعني ذلك ثالثا، أن القروض ذات قيمة الفائدة الصفرية أو السالبة تقتل البنوك، التي لا تحصل على أرباح بسبب انخفاض سعر الفائدة، في الوقت الذي تحافظ فيه على تكلفة العمليات.

بمعنى أن العالم قد وصل إلى تلك النقطة، التي سيعبر فيها الطلب العالمي مرحلة الصعود إلى مرحلة الهبوط، فإذا وضعنا في الاعتبار مدة 40 عاما من الاستدانة المستمرة، فإن انخفاض الطلب سوف يكون مريعا، وسوف يتحدد الآن من سيقع تحت مقصلة خفض الإنتاج، ومن سيتعين عليه إلقاء بضاعته إلى سلة المهملات، ومن يبقى على قيد الحياة.

يحكي لنا التاريخ أن تناقضات بهذا الحجم وهذه الحدة غالبا ما تنتهي بحروب عالمية، لكن اللاعبين الرئيسيين في المشهد العالمي اليوم يمتلكون أسلحة نووية، وما زالت الحرب الحقيقية بين الغريميْن الرئيسييْن الولايات المتحدة الأمريكية والصين قيد التداول، ولا زال التناحر بينهما في إطار الحرب الاقتصادية.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *