انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان يفتح الباب أمام تصنيف باكستان «دولة راعية للإرهاب»

تشكو باكستان في كثير من الأحيان من أن الولايات المتحدة دولة صديقة فقط إذا كانت هذه الصداقة تحقق لها نفعا.

فالمسؤولون الأميركيون يتسمون بالكرم، وحتى المجاملة، عندما تحتاج واشنطن إلى مساعدة من إسلام آباد، ولكن في اللحظة التي لم تعد فيها الولايات المتحدة في حاجة لذلك، من الممكن أن تسلك نهجا عقابيا تجاه باكستان.

يمثل هذا الطرح المحور الرئيسي لتقرير أعده مايكل روبين، الباحث المقيم بمعهد «أميركان انتربرايز»، ونشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية، حيث يرى أن هذا الانتقاد صحيح، فقد كانت باكستان على مدار فترة طويلة الاختيار الثاني لأميركا.

ويقول روبين إنه في أعقاب تقسيم الهند وتأسيس دولة باكستان في عام 1947، أراد صناع السياسة في أميركا التحالف مع الجانبين لإقامة درع في مواجهة الشيوعية.

ولكن منذ التقسيم، خاضت باكستان والهند حروبا ضارية أسفرت عن مقتل الآلاف إن لم يكن الملايين ونزوح الكثيرين ومازال النزاع بينهما حول كشمير يستعر.

ولطالما ادعى الرئيس الأميركي الراحل، هاري ترومان، الحيادية، رغم أن باكستان تعتقد أنه كان يميل ناحية الهند. ففي أكتوبر من عام 1947، مثلا، رفضت الخارجية الأميركية طلبا من باكستان بتوفير ملياري دولار مساعدات عسكرية.

كما شعر زعماء باكستان بالتهميش في عام 1949، عندما دعا ترومان رئيس وزراء الهند آنذاك، جواهر لال نهرو، لزيارة واشنطن، دون توجيه دعوة مماثلة لنظيره الباكستاني.

وأوضح روبين في تقريره أن ترومان لم ينظر مطلقا إلى طلب باكستان بتلقي معاملة متساوية على أنه أمر واقعي: فالهند تمثل 4 أمثال باكستان، من حيث المساحة والسكان، كما أنها تملك مؤسسات ديموقراطية مستقرة.

وعزز انتصار الهند على باكستان في الحرب بين البلدين، 1947 – 1948، من أهمية الهند في إطار الحرب الباردة.
ولسوء حظ أميركا، كان لدى نيودلهي أفكار أخرى، حيث أراد نهرو أن يجعل من الهند مركزا لحركة عدم الانحياز، وهو ما يعني في الواقع، اقترابها من مجال نفوذ الاتحاد السوفيتي. وكان أمام باكستان 3 خيارات: عدم الانحياز، أو الانضمام للمعسكر السوفييتي، أو إقامة شراكة مع الغرب.

ولم يكن الخيار الأول ليجدي نفعا، حيث إن باكستان لم تكن لتنافس الهند في قيادة حركة عدم الانحياز، ولم تشأ أن تصبح تابعا. ولم يكن الخيار الثاني مجديا، حيث تعامل السوفييت مع الهند على أنها الأكثر قوة وأهمية إستراتيجية.

ولذلك، ابتلع مسؤولو باكستان كبرياءهم وسعوا إلى تحالف مع أميركا من أجل أن يكون لبلادهم راعيا للدفاع عن أمنها في ظل النزاعات على الحدود مع الهند وأفغانستان.

ولكن عندما فشل ترومان في كسب تأييد الهند لجهوده في إقامة تكتل مناوئ للشيوعية، حولت واشنطن انتباهها إلى باكستان.

وفي الثالث من مايو 1950، أصبح رئيس وزراء باكستان الراحل لياقت على خان، أول زعيم باكستاني، يزور واشنطن. وقد أدركت باكستان أنها كانت دائما، وستظل، الخيار الثاني لأميركا.

ووصل الأمر إلى أزمة في عام 1965، عندما طلبت باكستان من أميركا دعمها ضد الهند في الحرب، وقالت إسلام آباد إن نيودلهي هي التي بدأت العدوان. ورفضت واشنطن، التي كانت آنذاك غارقة في مستنقع ڤيتنام، الطلب.
واستمرت نفس الديناميكية في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي.

ولكن في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، جعلت أميركا من الحرب على الإرهاب أولويتها القصوى. ولعبت باكستان دورا في ذلك، ولكن انصب اهتمامها الأكبر على الخوف من أن تصبح أفغانستان مركزا للإثنية القومية.

وفيما يتعلق بالبرنامج النووي الباكستاني، الذي بدأته إسلام آباد في عام 1955، وبعد عقد من هذا التاريخ، قامت بتشغيل أول مفاعل نووي لديها بمساعدة أميركا.

واعتزم مسؤولو باكستان بالفعل إنتاج سلاح نووي. وفي عام 1965، أعلن وزير خارجية باكستان آنذاك، ذو الفقار علي بوتو، «إذا صنعت الهند القنبلة (النووية)، فسوف نأكل العشب أو الأوراق، بل سنجوع، لكن سيكون لدينا القنبلة الخاصة بنا. ليس أمامنا بديل». وجاءت خسارة باكستان لبنغلاديش في عام 1971 لتعزز عزم بوتو، الذي أطلق «المشروع 706» في العشرين من يناير 1972، لتصنيع قنبلة ذرية».

وسعت إدارة الرئيس الأميركي الراحل، جيرالد فورد في هدوء إلى إجبار باكستان على وقف برنامجها النووي، ولكن دون جدوى.
وأسفر تشديد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر على منع الانتشار النووي، عن خروج الخلاف الديبلوماسي إلى العلن. وتحرك الكونغرس الأميركي سريعا من أجل حظر المساعدات الاقتصادية والعسكرية عن باكستان، وتغيرت الأمور تماما عقب الغزو السوفييتي لأفغانستان.

ولكن عقب انسحاب السوفييت، رفضت إدارة بوش الأب، بمقتضى «تعديل بريسلر لعام 1985»، أن تقر بأن باكستان لم تكن تسعى لامتلاك أسلحة نووية.

وبالمثل، بعد إجراء باكستان تجارب نووية في عام 1998، فرضت إدارة الرئيس بيل كلينتون عقوبات بموجب بنود «تعديل جلين». وتم إلغاء هذه العقوبات فقط عندما احتاجت أميركا لباكستان في الحرب على الإرهاب في عام 2001. ويرى روبين أن القضية بالنسبة لباكستان الآن، هي ما إذا كانت الأمور ستسير على المنوال نفسه في عهد الرئيس جو بايدن.

وفي ظل مواصلة الرئيس بايدن سياسة سلفه دونالد ترامب، بشأن الانسحاب الأحادي للقوات من أفغانستان، ستصبح أميركا في القريب العاجل دون حاجة لباكستان، ولن يلجأ البيت الأبيض أو الكونغرس إلى غض الطرف عن مصادر التوتر في العلاقات مع إسلام آباد التي تتهم استخباراتها بإقامة علاقات مع الجماعات المتطرفة.

ويرى الباحث روبين أن هذا من شأنه أن يدفع سريعا الجهود داخل الكونغرس إلى ممارسة الضغط على الخارجية الأميركية من أجل تصنيف باكستان «دولة راعية للإرهاب».

وقد يرفض الديبلوماسيون واللوبي المؤيد لباكستان في الخارجية الأميركية الفكرة، ولكن هناك مزيج من الإحساس بالنصر في باكستان بسبب انسحاب القوات الأميركية المقرر من أفغانستان، وقد ترتكب جماعة طالبان أعمالا عدوانية عقب ذلك، وهو ما من شأنه أن يثير الرأي العام وأن يدفع الساسة الأميركيين إلى تحرك رمزي.

ويقول روبين في ختام تقريره إنه يتعين على باكستان أن تستعد من الآن للانضمام إلى ناد يضم معها إيران، وسورية، وكوريا الشمالية.

شاهد أيضاً

سفير للسعودية في قطر لأول مرة منذ 6 سنوات

تسلم وزير خارجية قطر، الاثنين، أوراق اعتماد أول سفير سعودي منذ الأزمة الخليجية التي اندلعت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كويت نيوز

مجانى
عرض