الرئيسية » كتاب كويت نيوز » عدالة الإسلام في المساواة بين الناس

عدالة الإسلام في المساواة بين الناس

20130726-223944.jpg

كويت نيوز :

العدل من الأسس التي عليها عمار الكون، وصلاح العباد، لذا حث عليه الإسلام وجعله أساسًا للحكم بين الناس: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس {الحديد: 25}.والله سبحانه وتعالى هو الحكم العدل المقسط، فهو سبحانه لا يحكم إلا بالحق، ولا يقول إلا الحق، ولا يقضي إلا بالحق: والله يقضي بالحق. وقد نفى سبحانه الظلم عن نفسه، وحرمه على عباده، فقال تعالى: وما ربك بظلام للعبيد {فصلت: 46}، وقال في الحديث القدسي: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا”. {رواه مسلم، ك البر والصلة 2577}.والله سبحانه وتعالى هو الحكم الملزم حكمه كونًا وشرعًا، وشرائعه سبحانه عدل كلها، فلا خير إلا فيها، ولا عدل إلا بها: إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم. والإمام العادل هو الذي يتبع أمر الله وحكمه، فيضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط، وكل ميل عن الشرع فهو ميلٌ عن العدل وإقرار للظلم الذي هو ظلمات يوم القيامة. ودستور المسلمين يحث على العدل والإحسان، وينهى عن المنكر والبغي: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون{النحل: 90}.ويأمر الحكام بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل، ويحث الرعية على طاعة أولي الأمر: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا (58) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا {النساء: 58، 59}.

العدل في الإسلام لا يهمل القانون الشرعي , بل يستوجب تطبيقه ولو بالقوة إذا احتاج الأمر , وبينما ترى الفلسفة الإنجليزية – أوستن نموذجا – أن الحاكم هو صوت العدل , أو ترى الفلسفة الألمانية – هيجل نموذجا – أن الدولة هي صوت العدل , فالإسلام يرى أن صوت العدل هو التشريع الرباني الذي لايأتيه الباطل , بينما الحاكم والقاضي مطبقان له ومشرفان عليه والدولة أداة من أدوات تحقيقه . وبينما يرى أصحاب المذاهب المختلفة رؤى متغايرة لمضامين العدل , بحيث يكون متغايرة بحسب الظروف المحيطة بالمجتمعات , فإن الإسلام يضع ميثاقا للعدل به ميزتان معجزتان , أولهما الثبات في شتى الأماكن والأزمان , وثانيهما قابلية التطبيق على مختلف الظروف والمتغيرات , وهما ميزتان يصعب الجمع بينهما إلا أن يكون منهاجا ربانيا علويا . وينظر الإسلام للعدل على اعتبارات متعددة

الأول : اعتبار العدل في السلوك الفردي التبادلي بين الناس , فالمرء ههنا مطالب بالعدل في تعاملاته , فلا يظلم ولا يغش ومن ” غش فليس منا “, و” ليعدل بين أولاده في العطية ” ,وليعدل بينهم حتى في الرحمة بهم وتقبيل الصغار منهم , وليعدل في معاملة الأجراء والعاملين عنده ..الخ .

والثاني : العدل العام باعتبار الفرد جزءً من المجتمع فهو ههنا يهدف إلى مصلحة عامة عن طريق القيم العليا كما في الحديث الصحيح الشريف ” لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها ”

والثالث : العدل الموزع من المجتمع للأفراد , فالدولة تقوم بتوزيع الحقوق والمنافع وهي ههنا تعدل بينهم فيما يستحقون وعلى اعتبار قدراتهم وإمكاناتهم

والعدل في الحضارات المختلفة لم يتم تطبيقه إلا بعد أن سالت دماء وقامت اضطرابات هائلة , أما في الإسلام فهو جزء أساس من المنهج التشريعي الثابت , تمت الدعوة إليه والأمر به من خلال الدعوة إلى ذات الحضارة الإسلامية

لقد ظهرت في أوربا دعوات متتابعات إلى تقسيم الحقوق والواجبات بين الناس على اعتبار تميزهم , وبينما يدعو اليكساس كاريال إلى تقسيم العالم إلى من يستحقون القيادة والنعيم ومن لا يستحقون ذلك بقوله ” لا يمكننا أن نسعى لتحقيق المساواة بين ما رفض العقل مساواته ” , يرتفع شعار الإسلام في العدل بين الناس في قوله تعالى :” إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ” , وفي أمر الرسول بالرفق والعدل والرحمة بين المرء وخادمه فيقول :” إخوانكم خولكم أطعموهم مما تطعمون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما لا يطيقون فإن كلفتموهم فأعينوهم ” متفق عليه

والعدل يكاد يدخل في شتى مناحي المنهج الإسلامي , سواء أكان حكميا أو إداريا أو قضائيا أو في المعاملات أو السلوك وحول قوله سبحانه : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) قال في الظلال : ” فالعدل المأمور به هنا هو الذي يكفل لكل فرد ولكل جماعة ولكل قوم قاعدة ثابتة للتعامل ، لا تميل مع الهوى ، و تتأثر بالود والبغض ، ولا تتبدل مجاراة للصهر والنسب والغنى والفقر ، والقوة والضعف . إنما تمضي في طريقها تكيل بمكيال واحد للجميع ، وتزن بميزان واحد للجميع وإلى جوار العدل يوجد الإحسان , يلطف من حدة العدل الصارم الجازم ، ويدع الباب مفتوحاً لمن يريد أن يتسامح في بعض حقه إيثاراً لود القلوب ، وشفاء لغل الصدور .

ولمن يريد أن ينهض بما فوق العدل الواجب عليه اليدوي جرحاً أو يكسب فضلاً ” وقد يدخل في هذا أيضا أن الأقليات لم تظفر بعدالة كالتي ظفرت بها تحت حكم الإسلام سواء في ذلك أقباط مصر في عهد عمر بن العاص أو في العهد الأموي.. أو يهود الأندلس على تنائي الدار وتباعد الزمان. كما يدخل في هذا استبعاد التعذيب كوسيلة للحصول على الأدلة.

وكان هذا التعذيب هو الطريق المقرر لدى الرومان للحصول على الأدلة من العبيد كما كان هو الوسيلة الممارسة في محاكم التفتيش الرهيبة طوال “القرون الوسطى” للحصول على أدلة تدين صاحبها بالانحراف عن المسيحية.. فجاء الإسلام واعتبر أن صفع السيد لعبده أو ضربه مبرِّر وسبب يبرر عتقه.. وأن أي ضغط على المتهمين يسقط الأدلة التي يدلون بها. وجاء في كتاب الخراج لأبي يوسف “ومن ظُن به أو توهم عليه سرقة أو غير ذلك، فلا ينبغي أن يعزر بالضرب والتوعيد والتخويف فإن من أقر بسرقة أو بحد أو بقتل وقد فعل به ذلك ليس إقراره ذلك بشئ ولا يحل قطعه ولا الأخذ بما أقر به”.ووصلت فكرة العدل درجة من القوة أصبحت فيها ضابطة للحق وأدت إلى ظهور نظرية “إساءة استخدام الحق” كما يقولون في القانون وهي فكرة تناقش فكرة الحق المطلق لصاحب الحق لدى القانون الروماني : حق الحياة والموت على الكائنات (سواء كانوا عبيداً أو حتى أبناء أو مدنيين) وحق السفه والتبذير والتصرف كما يشاء في الأموال والأملاك.

جاء الإسلام فجعل العدل قواماً على الحق ملزماً بضرورة ممارسته ممارسة عادلة. ووضع لذلك الضوابط على كافة التصرفات الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية التي يمكن أن يمارسها كرجل أسرة أو ربة بيت أو حاكم أو تاجر.. إلخ. وهكذا فأينما نظرنا في جنبات المجتمع الإسلامي فإننا نرى العدل ضابطاً لكل نشاط فيه واضعاً إياه موضعه السليم.

أن من الظلم التسوية بين المفترقات، والتفريق بين المستويات، فالمساواة المطلقة ظلم فادح، والعدل يعني إعطاء كل ذي حق حقه الطبيعي حسب قدرته وعطائه، قال تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ ﴾ البقرة 228 وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ النساء

كاتب المقال :

دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام
ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية
عضو والخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية

شاهد أيضاً

img_1294-1.jpg

نايف شرار : روائع الكتابة بالمغرب ، مخطوطات نادرة

  برعاية سامية من العاهل المغربي الملك محمد السادس افتتح بمعهد العالم العربي في باريس …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *