الرئيسية » كتاب كويت نيوز » الإرادة الشعبية من يتحكم فيها الآن

الإرادة الشعبية من يتحكم فيها الآن

20130723-215756.jpg

كويت نيوز :

إن أمتنا وهي ترث جهالة العصور، وخرافة الجهالة، وانحطاط الخرافة، ليس لها ما يجدد عزيمتها ويفتح بصائرها إلا أن تجلى لها روحها الموروثة الدفينة، وتستفيد من تراثها المشرق البنّاء، وتستلهم نظامها الجديد من قيمها الأخلاقية والتشريعية، وكل إعراض عن الاستفادة من هذه الروح تعطيل لمواهب أمتنا من أن تعمل، ولسلاحها من أن يصقل، ولفضائلها من أن تتجسد على الأرض المعذبة جيلاً يمشي بأقدام الإنسان وأرواح الملائكة. إن سقوط الإخوان كان بمثابة نتيجة منطقية بسبب طبيعة تكوينهم السياسي والتنظيمي والأيديولوجي. وذلك على عكس ما يروج له الإخوان من حديث عن المظلومية الأبدية التي تلحق بهم. إضافةً إلى محاولة تصوير سقوطهم كنتيجة لمؤامرة فلولية وانقلاب عسكري أطاح بهم وليس الإرادة الشعبية. كما الكثير من الترهات التي تروج لها وسائل الإعلام الأمريكية. إذن تلاقى غضب قوى التغيير الثورية ومؤسسات الدولة القديمة وجموع المواطنين العاديين لتصبح السلطة الإخوانية معزولة. وأصبح اعتمادها على قاعدة تأييد التيار الإسلامي فقط، وهو الذي زادت ممارساته التحريضية ولتكفيرية الساخطين سخطاً. ومن المنطقي أن يسقط حكم الإخوان هنا لأن من يعادي الجميع يخسر. ومن المدهش أن كل الفرص الممكنة لتفادي نهاية حكم الإخوان قد أهدرها الإخوان الواحدة تلو الأخرى بإصرار عجيب. فمنذ استفحال الاستقطاب السياسي في مصر إثر أزمة الإعلان الدستوري الدكتاتوري الذي أصدره الرئيس مرسي في نوفمبر 2012 والإخوان مصممون على الاستمرار في مواجهة صفرية الطابع، لا تحتمل إلا إحدى نهايتين إما الفوز بكل شيء أو خسارة كل شيء و تحت الضغط السياسي تغلبت عقلية الطائفي المؤدلج (الذي لا يري العالم إلا عبر ثنائية الثبات و الظفر بكل شيء أو المحنة و الانكسار) قد تغلبت على عقلية التاجر المفاوض عند قيادة الإخوان. فبالتالي رفض الإخوان (قادة وجماهير) تقديم أي تنازلات سياسية حقيقية لقوى المعارضة خاصة بتغيير الحكومة والنائب العام وضمانات لنزاهة الانتخابات البرلمانية ورفض الإخوان كل شيء إلا الاستمرار في سياستهم الفاشلة في التعامل مع مؤسسات الدولة القديمة. ورفضوا أخذ تصاعد الغضب الشعبي تجاهم بجدية ونحوا جانباً السياسة (بمعنى التفاوض والتهادن والحلول الوسط) لصالح تكسير العظام وعض الأصابع. قام الإخوان بكل ما يستطيعون لإفشال أي محاولة للتغيير والإصلاح مع بقاء حكم الرئيس مرسي وقتلوا فرص أي تدخل سياسي ناعم من الدولة القديمة للضغط من أجل الإصلاح وتم حصار أعداء الإخوان من قوى ثورية ومؤسسات دولة قديمة ومواطنين عاديين في ركن ضيق عنوانه “لا خلاص إلا عبر إسقاط حكم الإخوان.” والمدهش أن يفعل الإخوان كل هذا مع أنه من المفترض أنهم يعرفون أنه لا فرصة أمامهم للفوز في معركة صفرية يتحد كل الخصوم أمامهم فيها. وكانت انتفاضة الـ 30 من يونيو التي خرج فيها الملايين بمثابة الضربة القاضية في سقوط الإخوان. وكالعادة أهدر الإخوان فرصتهم الأخيرة في “الخروج الآمن” عبر التضحية بمحمد مرسي والاستجابة لمطلب جماهير 30 يونيو بالدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة. كانت هذه الاستجابة ستخلق situation win-win فكانت ستضمن عدم تدخل الجيش المباشر وتقوم بتهدئة الجماهير بمنحهم مايطلبون وتمنع العنف والتصعيد من جانب الإسلاميين وتمنح الأخوان فرصة التفاوض حول مواقعهم داخل المسار السياسي الجديد عقب الانتخابات الرئاسية المبكرة. لكنه منطق اللعبة الصفرية التي حكم قرارات الإخوان من البداية إلى النهاية. فلم تجد المؤسسة العسكرية بديلاً عن التدخل المباشر لعزل مرسي، خوفاً من أن يؤدي تصاعد المد الشعبي الغاضب إلى انهيار الدولة ككل. كما جاء هذا التدخل في محاولة لامتلاك زمام المبادرة، وترويض الحركة الجماهيرية، وبناء مسار سياسي جديد للثورة المضادة يستكمل ما فشل المسار الأول المنهار في تحقيقه. وللتذكير فقد كان أحد أسباب دخول الإخوان انتخابات الرئاسة في 2012 هو ضرورة تفادي أن تسيطر مؤسسات الدولة القديمة على مقعد الرئاسة وما قد يستتبعه هذا من إقصاء أو تهميش للإسلاميين. وللمفارقة، وبعد وصولهم للرئاسة، قام الإخوان بكل الجرائم التكتيكية والمواجهات الصفرية الانتحارية الممكنة الكفيلة بجعلهم يلاقون نفس المصير الذي خاضوا الانتخابات الرئاسية من أجل تفاديه. ولكن بأي تكلفة؟ بفاتورة أكبر بكثير دفعت حسابها عملية التحول الديمقراطي وفرص التغيير الثوري في مصر. من هنا فستبقى الأزمة مستمرة، ومن ثم فالثورة مستمرة. ومعركة الثورة هي معركة النفس الطويل ومعركة إفشال كل البدائل السلطوية الممكنة والموروثة من حقبة دولة يوليو (دولة قديمة- إسلاميين-عسكر.. الخ) حتى تستطيع قوى الثورة تقديم بدائلها للوصول إلى السلطة وتحدي هذه المصالح المهيمنة على المدى البعيد. لكن على عاتق الحركات الثورية الآن، أعباء هائلة على مستوى المشروع والتنظيم والقيادة وبناء الكوادر وتكوين الموارد البشرية لملء الفراغ السياسي والاجتماعي الكبير في مصر، والذي من المرجح أن يزداد عقب فشل محاولات الإسلاميين في ملئه خلال سنتين ونصف منذ اندلاع الثورة. كما يتطلب هذا مجهوداً كبيراً من أجل تأطير أهداف وحساسيات القوى الشعبية المختلفة التواقة للتغيير أمام مسار ثان للثورة المضادة. الشرعية في يد الشعب، يملك وحدة أن يعطيها، ويملك أن يراجع من أعطاها له، ويملك أن يسحبها منه إذا تجلت إرادته بحيث لا تقبل شبهة ولا شك إن “المشكلة الأساسية في مصر أن هناك أزمة في مدى إيمان الناس بقيم الديمقراطية، ثم انه ليس هناك توافق على الإجراءات الديمقراطية، وأهمها الآلية السلمية لحسم أي نزاع سياسي وهي الانتخابات “. إن ” الشعب في النظام الديمقراطي يعمل إرادته فقط أمام صندوق الانتخابات، وليس متاحا له أن يعمل إرادته وقتما يشاء، ونحن في مصر قد تبنينا في الدستور الذي استفتي عليه الشعب نظاما برلمانيا رئاسيا. “ما حدث للرئيس السابق مرسي درس مهم يجب أن يعيه القادمون، وإن كنت أؤكد على ضرورة أن تكون هناك آلية قانونية لسحب الثقة بعيدا عن حشد الميادين، لأن مصر بهذا الشكل لن يستمر بها رئيس في منصبه”. إن الأمم لا تبني أمجادها إلا بقوتين متعاونتين: قوة من سلاح وقوة من روح.. وأنا لا أريد بالروح تلك الانهزامية الاتكالية الواهنة التي تفر من الحياة، ولا أريد بها تلك القوة المكذوبة التي نسجها الغرور أوهاماً تملأ أدمغة الشبان الأبرياء! كلا! إنما أعني بالروح: تلك القوة المبدعة الخلاقة التي تنشئ الحياة.. تلك الفضائل التي بنت بها أمتنا الممالك وشادت الحضارات، وخاضت بها معارك التحرير في القديم والحديث، إنها الروح المستمدة من الإيمان بالله وبشرائعه، وهي الروح التي تفقدها أمم الحضارات اليوم، فهي أبداً ما تزال تنقلب من جحيم إلى جحيم. ولن تعرف الاستقرار والسعادة إلا يوم تتعرف إلى روحنا نحن، وتتقدم لتأخذها من يدي محمد والمسيح عليهما السلام!.

إن أمتنا وهي على عتبة حياة مليئة بتكاليف الكفاح وأعباء النضال، في حاجة إلى هذه الروح التي تحبب لها الفداء، وترخص الأموال، وترغب في الصبر، وتربى على الإخلاص، وتبث في النفوس أنبل عواطف الحب والإخاء والوفاء. وإن الامتناع عن الاستفادة من هذه الروح خوفاً من الطائفية البغيضة ليس إلا جهلاً بطبيعة هذه الروح وبحقيقة أمراض هذه الأمة

الكاتب :

الدكتور عادل عامر
دكتوراه في القانون وخبير في القانون العام
ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية وعضو بالمعهد العربي الاوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بجامعة الدول العربية

شاهد أيضاً

img_0189-5.jpg

عادل القناعي : “التقاعد” شر لا بد منه 

أصبحنا في أوطاننا شبه مأجورين ، بل أصبحنا عاتق هم وغم على أنظمتنا العربية ، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *