الرئيسية » كتاب كويت نيوز » المخطط الصهيوني المغلف بالديمقراطية

المخطط الصهيوني المغلف بالديمقراطية

20130719-000604.jpg

كويت نيوز :

مع استمرار بقاء هذه المجتمعات في إطار النمط الزراعي،شبه الرأسمالي، شبه الإقطاعي- العشائري القديم، فإن عملية التوسع لبلدان المركز الرأسمالي لم تجد صعوبة تذكر في السيطرة عليها والتحكم في مسار تطورها السياسي والاقتصادي اللاحق، بما يخدم هيمنة المصالح الرأسمالية وتفردها من جهة، ويَعوقُ عن النهوضِ الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ والسياسيِّ لتلك المجتمعات أو امتلاكها لمقومات التقدم والحداثة أو المجتمع المدني من جهة أخرى

. مصر الدولة العربية المركزية والمحورية الأهم والأكبر هي ذات مجتمع متجانس عرقياً وبدرجة كبيرة دينياً ولا يمكن بالتالي تقسيمها إلى دويلات، حيث لا توجد أقليات عرقية يُعْتَّدُ بها أو دينية باستثناء الأقباط الذين يتمتعون بدرجة عالية من الانتماء الوطني. فشعورهم دائماً مصري ولا يوجد لديهم طموحات سياسية للانفصال عن الوطن الأم. والحل بالنسبة لأمريكا يتمثل في الاستعاضة عن تقسيم الدولة المصرية بالعمل على إضعافها وإنهاكها من الداخل وبأيدٍ مصرية، منعاً من أن يؤدي التدخل المباشر لأي قوى أجنبية إلى استفزاز الوطنية المصرية. وهكذا تم العمل على تسهيل استلام حركة الإخوان المسلمين للحكم كوسيلة لإضعاف اقتصاد الدولة المصرية وتحويل سياسة أخونة مصر إلى أداة لتدمير وحدة المجتمع. ومع أن جهود إضعاف وإنهاك مصر ما زالت في بداياتها، إلا أننا نشاهد مؤشرات خطيرة لما ستؤول إليه الأمور في ما لو نجح المخطط الأمريكي بنحر مصر، في حال عدم القدرة على تقسيمها مثل قيام دولة ضعيفة كأثيوبيا بالتطاول على مصر الدولة الإفريقية والعربية القائدة وتهديدها بالفعل وليس بالقول في أهم قضية إستراتيجية ألا وهي مياه نهر النيل.

المشاهد التي يتابعها الإنسان العربي في جميع البلدان العربية باعتباره المعني الأول والأهم بأحداثها، ويتابعها معه العالم بأكمله بصمت واستحياء مغلف بالألم لأنه لا يستطيع حتى الرفض أو الاعتراض أمام هيمنة وتسلط أنظمة وحكومات وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وأتباعهما من المستعمرات القديمة والحديثة التي لا تقوى إلا على تنفيذ ما تؤمر به من مواقف وسياسات، حتى إن تظاهرات التنديد والاستنكار التي تخرج في أنحاء متفرقة من العالم ومنها البلدان التي تتلطى خلف لافتات وشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان ضد ما تمارسه حكوماتها من تلاعب بمصائر الشعوب الأخرى في العالم وتآمر مكشوف ومعلن عليها تحت عناوين تخترعها هذه الدول لتبرير أفعالها وخططها التخريبية للأرض والإنسان.

أكثر المشاهد وضوحا يظهر حالياً في مصر التي بدأ شعبها المرحلة الثانية من ثورته بعد أن أعاد الرئيس المصري الأخواني محمد مرسي المنتخب بنسبة لا تزيد على 18% من مجموع أصوات الشعب المصري خلط أوراق المرحلة تمهيدا لسيطرة تنظيم الإخوان المسلمين على مقاليد السلطة والتحكم بمقدرات الشعب المصري ومفاصل حياته وإرادته، ويلغي دوره العروبي المتقدم الذي يعتمد على موقع مصر الجغرافي وحجمها السكاني وتركيبة مجتمعها الأميل إلى العلمانية البعيدة عن التطرف والحقد الذي يمارسه الإخوان المسلمون مع الفئات المجتمعية المخالفة لهم، وهكذا عادت مصر إلى المربع الأول الذي كانت فيه قبل سنتين، والمؤشرات جميعها تدل على أن المواجهة آخذة بالاتساع بسرعة حتى إسقاط المشروع الذي ينفذه الإخوان في مصر بالكامل.

أما السعودية فهي قابعة تنتظر إشارات قادمة من واشنطن لتحدد مصيرها. وأخطر تلك الإشارات هي المتعلقة بالمنطقة الشرقية ذات الأغلبية الشيعية والممتلئة بالنفط والرغبة الأمريكية بفصل الدين عن النفط. ويعتبر مصير العائلة المالكة السعودية ومستقبلها جزءاً من هذه الرؤية.

ان المخطط اليوم كبير وكبير جداَ ولم يتوقف عند جزء معين من الوطن العربي بل يتمدد ليشمل كل الوطن العربي ، حيث يهدف الى تقسيم السودان الى شمال مسلم وجنوب مسيحي ودارفور والعراق الى ثلاث دول شيعية وسنية وكردية ففي 6 شباط/فبراير 1982م كتب المراسل العسكري لصحيفة “هآريس” الإسرائيلية” زائييف شييفZe’ev Schiff “ان أفضل مايمكن ان يحدث للمصالح الإسرائيلية في العراق هو “تفكيك العراق الى دولة شيعية ودولة سنية ودولة كردية” وسوريا الى دولة علوية في منطقة الساحل ودويلة حلب السنية ودمشق السنية ثم دولة درزية في الجنوب وتقسيم المغرب العربي الى دويلة البربر وتضم جزء من ليبيا والمغرب والصحراء الكبرى ودويلة بوليساريو وهي التي تخوض نزاع الآن بين الجزائر والمغرب.

كان النظام العراقي تحت قيادة صدام حسين من القوة والصلابة بحيث كان من المستحيل اللعب على واقع الاثنيات والطوائف المتعددة التي كونت المجتمع العراقي. لهذا كان القرار الأمريكي- الغربي باحتلال العراق وتدمير اقتصاده ومجتمعه وشرذمته وتقسيمه إلى طوائف وملل، طولاً وعرضاً، بحيث تم تقسيم العراقيين الأكراد والتركمان عرقياً، والعراقيين المسلمين العرب طائفياً إلى سنة وشيعة، وبذلك تم استعمال أكثر من مقياس لجعل تقسيم العراق من السوء بحيث يستحيل إعادة توحيده. فالدولة المركزية موجودة نظرياً ولكنها محصورة عملياً في بغداد. والأقاليم هي في واقعها أكثر من إقليم وأقل من دولة. والوضع العام للعراق هلامي لا شكل له ولا قدرة له على التصرف كجسم واحد صلب. وما جرى للعراق يوضح أن مخطط أمريكا لإعادة تشكيل دول المنطقة ابتدأ منذ فترة سبقت الربيع العربي.

أما الوضع في سورية الآن فيختلف عن كل من مصر والعراق .فسورية متنازع عليها بين أمريكا وروسيا وأصبحت أول ساحة صراع ساخن في حرب باردة جديدة. إننا نشهد الآن إعادة انبعاث حرب باردة من نوع جديد. فالصراع على مصادر الطاقة والنفوذ في المياه الدافئة أصبح يتخذ أشكالاً علنية، ومن السذاجة افتراض العديد من العرب بأن عدو عدوي صديقي. فروسيا والصين تكافحان الآن للحفاظ على مصالحهما في الطاقة وفي الوجود في المياه الدافئة، ولا علاقة لذلك بالمقاومة أو الصراع العربي الإسرائيلي. ولو وصلت الأمور إلى حد الحزم واتخاذ موقف، فقد يكون موقف روسيا والصين تجاه إسرائيل صادماً للعرب الذين ينشدون النجاة من خلال الآخرين وليس من خلال أنفسهم وجهودهم الذاتية. وفي نهاية المطاف لن يسأل أحد سورية عن رأيها في ما سيتم التوصل إليه من اتفاق، لا أمريكا ولا روسيا سوف تسأل. والحل للصراع الدائر في سورية لن يأتي من داخل سورية، بل سوف يفرض عليها من الخارج وعقب اتفاق بين أمريكا وروسيا. ولكن تبقى الحقيقة الأساسية، وبغض النظر عن الحل النهائي للصراع الدائر في سورية، فإن سورية قد دُمّرَت وتحتاج إلى وقت طويل للعودة إلى الحال الذي كانت عليه عشية بدء الصراع. ما يحدث في أمتنا العربية و الإسلامية اليوم ليس مجرد أزمة هوية و انتماء فهو أيضاً و قبل كل شيء أزمة أخلاق .. و لتحديد معالمها أو مؤشراتها لسنا بحاجة للكثير من الجدل في الفوارق بين الأزمتين أو في تضمين واحدة لأخرى فلننهي هذا الجدل العبثي الآن و لنعترف إنهما معاً الأصل في تفشي المصيبة و انتشارها عبر الحدود .. لماذا؟شهد عام 2005 الكثير الكثير من الإحداث التي كانت أساسية في مشروع النظام العالمي الجديد الذي ينكره البعض و يعتبرون أنه جزء من نظرية المؤامرة و يطلبون منا أن ننسى كلام رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية و اعترافهم به

الكاتب :

الدكتور عادل عامر
دكتوراه في القانون وخبير في القانون العام
ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية وعضو بالمعهد العربي الاوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بجامعة الدول العربية

شاهد أيضاً

img_0189-5.jpg

عادل القناعي : “التقاعد” شر لا بد منه 

أصبحنا في أوطاننا شبه مأجورين ، بل أصبحنا عاتق هم وغم على أنظمتنا العربية ، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *