الرئيسية » كتاب كويت نيوز » بعد أن تضع الحرب أوزارها

بعد أن تضع الحرب أوزارها

20130715-222707.jpg

كويت نيوز :

حين ركبت مصر قطار الثورة مصادفة، لم يخبرها الجالسون على مقاعدهم الوثيرة هناك أنها في القطار الخطأ وأن عليها أن تترجل قبل أن تحملها القضبان العابثة إلى جهات غير معلومة. لكن مصر اليوم تدرك وبعد فوات الأوان أن مكابح القطار السادر في غيه لا يمكن أن تعيدها لصقيعها الأول أو لمحطة دافئة على أرصفة العالم الحر لأنها تحمل تاريخا من القهر والاستبداد غير قليل، ولأنها وريثة شرعية لحضارات أوتوقراطية ممتدة في أعماق التاريخ تشدها نحو القاع كلما أرادت أن تتنسم عبير الحرية كغيرها من البلدان. كما أن شعبها المقهور قادر على تحويل الأربعة إلى خرفان وتحويل كافة ميادين الثورة إلى مؤتمرات صاخبة للباعة الجائلين.
وفي مصر وحدها، يجب أن تنظر مواقع قدميك، لأن المرء بالميدان يُعرف، والذين يجمعون بين ميدانين منافقون أو باعة جائلون أو بصاصون من فيلق معاد. وعليك أن تخلع نعليك وتتطهر من روث الميادين القديمة قبل أن تلج حاضنة الفكر الآخر، لأن الوحدانية في بلاد نسيت شعبها للميادين وحدها وللشعارات المرفوعة فوق خشبات مسارحها الممتدة من الجدار إلى الجدار.
لا تصفق لتمريرة هنا أو ركلة هناك قبل أن تنظر إلى لون الفانيلة وأنت تجلس تحت أقدام اللاعبين على خشبات التحزب ضيق الأفق حتى تظل محتفظا بموقعك البليد هناك، وليكن ولاؤك نقيا لفريق واحد مطهر من الذنب والزلات والمعايب، وغاية ما يمكنك فعله وأنت تجلس في مقاعد الكومبارس تحت أقدامهم هناك أن تصفق أو تصفر أو تردد أي هتاف يطلقه السفهاء على خشبات الفتن. فرغ جمجمتك وحدد وجهتك واصلب عينيك على طريق واحد أيها المقهور في بلاد ما وراء الثورات حتى تجد لك مرتعا آمنا حتى حين في بلاد ظللت تحبها قدر ما تستطيع وتخلص لها قدر ما يمكن.
وعليك أن تنتقي قنوات أثيرك بعناية بالغة حتى لا ترتد عن قناعات الميادين أو تتخاذل عن أداء مناسك الحج والعمرة إليها ليل نهار. فالتردد وقت حرب أهلية كهذه عار وخزي في الحياة الدنيا، وندم وحسرة يوم تلقى ربك. كيف تلقى الله أيها المخلف عن قتال الجار والصديق وعابر السبيل وكيف تبرر طهر يديك وعفة لسانك؟ وكيف تجمع في قلبك حب الرب والرفق بعباده الذين يختلفون معك في شأن سياسي أو فقه دنيوي دون أن تشعر بتأنيب ضمير أو بصريح نفاق؟
إما أن ترفع سيفك فوق رأس أخيك أو أن تنام في فراشك غير آمن حتى تضع حرب البسوس أوزارها وتستبين خيط الحق من خيط العمالة. فلتعد خيمتك وخوذتك وكنانة سهامك ليوم الزحف القادم لا محالة نحو ديار أخيك لأنك لا تعلم متى يطلق قادة الجند شارة البدء بقتال حتما سيطول أمده. ولتشد رحالك اليوم قبل الغد إلى رابعة أو التحرير، فاليوم لا تشد رحال المصريين إلا لهما، ولا يُقبل من المتخلفين عنهما عذر ولا تبرير حين يعد الواقفون على خشبات التحريض جندهم.
منافق أنت إن تخليت عن “عصبة الحق” وخروف إن توانيت عن اللحاق بمواكب “الأحرار”. ومتخاذل قطعا إن كففت يدك وترفعت عن الخوض في حرب غبراء لا ناقة للحق فيها ولا جمل، فاختر الحشد الذي ينسجم مع عصبيتك الأولى ولا تترك شياطين الفكر تعبث برأسك الصغير جدا الموجه للغاية، وليرتح بالك فقساوسة المنطق المعوج قادرون على حياكة مبررات فضفاضة لكل فساد يرتكبونه وتتحيز له.
يمكنك أن تلبس رداء الشرعية وتقف وسط ميدان مليء بالبخور واللحى وأن تنام وسط جموع الفارين بحناجرهم إلى رابعة وأنت قرير العين فلديك سند من القانون يمكنك أن تتكيء عليه حين تخاصم وحين تجادل. فالشرعية حق وإن كنت تكفر بها، والوقوف خلف رئيس البلاد المنتخب عين العقل وإن خرج الشعب الذي انتخبه عن بكرة أبيه ساخطا يطالب بإسقاطه.
وبإمكانك أن تولى وجهك صوب التحرير لتحتفل مع رفقاء النضال بانتصار الحرية وأن تلتقط لنفسك بعض الصور من فوق دبابة أو مدرعة أو ناقلة جند. كما يمكنك أن تشبك أصابعك في أصابع رجال العهد القديم أو نجوم المجتمع وأن تراهم رأي العين بعدما ظللت طوال قهرك تراهم من وراء حجاب أو من وراء جدر. وهناك تستطيع أن تغمض عينيك وأنت في حراسة العربات المصفحة التي غمرتك بالمياه حين خرجت عليها أول مرة.
يمكنك أن تختار ميدانا يواري فقرك وجهلك وحاجتك، وأن تتناول فيه إفطارك وسحورك وتشد حول عريك خيمة رمضانية تتناول فيها ما لذ وطاب من طعام وشراب وأسلحة استعدادا ليوم الفصل ويوم الشتات ويوم الهوان. أما الذين يرفضون القهر باسم الحرية والشعوذة باسم الدين فليس لهم ميدان يعبر عنهم، وليس لديهم قنوات فضائية ينفق عليها الخيرون بقايا أموالهم، وأولئك محرومون من المناصب مبعدون عن الكراسي والعمائم والنجوم اللامعة. لكنهم حتما سيرثون الأرض بعدما تميد تحت أقدام جيوش الفتن ويذهب الزبد جفاء وتضع الحرب أوزارها.

الكاتب :

عبد الرازق أحمد الشاعر
أديب مصري مقيم بالإمارات

شاهد أيضاً

img_0189-5.jpg

عادل القناعي : “التقاعد” شر لا بد منه 

أصبحنا في أوطاننا شبه مأجورين ، بل أصبحنا عاتق هم وغم على أنظمتنا العربية ، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *